فصل: تفسير الآيات (13- 14):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (9- 10):

{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10)}.
التفسير:
وفى محضر الموت، وبمشهد من الاستبداد بمال الميت، الذي جمعه، واجتهد في جمعه، ثم صار إلى يد غيره، وربما إلى يد من كان يبغض أو يعادى من ورثته- يتمثل للحريصين على جمع المال من كل وجه، والمترصدين له بكل سبيل، غير متحرجين ولا متأثمين- يتمثل لهم مصير هذا المال الذي ركبوا له هذه الطرق، وجنوا به تلك المآثم، فيخفّ وزنه عندهم، ويقلّ حرصهم عليه، وإلقاء أنفسهم إلى التهلكة من أجله.. وهنا تصغى الآذان للنصح، وتتفتح القلوب للعظة فيما يتصل بالمال، والتعفف في كسبه وجمعه!.
ولا يدع القرآن هذه الفرصة تمرّ، دون أن ينتهزها، ليبلغ من القلوب الغاية التي يريدها، لحفظ حقوق اليتامى، وصيانة أموالهم، وحراستها من طمع الطامعين، وخيانة الخائنين.
لهذا جاء قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ} جاء مذكرا الأحياء بهذا الذي هم صائرون إليه هم وأموالهم، عارضا عليهم في هذا الموقف ما يهزّ مشاعرهم، ويثير أشجانهم.
إنهم سيموتون كما مات هذا الميت الذي تقاسموا تركته، أو تقاسمها ورثته وهم يشهدون.
وإنهم سيتركون من بعدهم أطفالهم، الذين سينضمون إلى موكب الأيتام، كما ترك هذا الميت أطفاله، وانضموا إلى جماعة الأيتام، ممن مات آباؤهم قبله.
فليرعوا حق اللّه إذن، وليخشوه في هؤلاء اليتامى الذين في أيديهم، وليصونوهم ويصونوا أموالهم، وليعاملوهم كما يرجون أن يعامل أبناؤهم من بعدهم.
وإنه ليس هناك من صورة مثل هذه الصورة، التي يعرضها القرآن هنا، في إثارة العواطف، وفى استجلاء العبرة والعظة، حيث يتمثل منها للحى خاتمه مطافه في هذه الحياة، ومصير هذا المال الذي جمعه، والذي يكاد يذهب بدينه ومروءته جميعا.
وفى قوله تعالى: {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً} نداء سماوى كريم، يلتقى مع تلك المشاعر التي حركتها الصورة التي يتمثلها من يقرأ الآية الكريمة وينظر فيما يطلع عليه منها، من مشاهد الموت، وما بعد الموت.
والقول السديد، الذي تدعو إليه الآية، هو القول الذي يحمل النصح، والتوجيه، والتسديد، لليتامى، وإعدادهم إعدادا صالحا للحياة.. تماما كما يفعل الأب مع أبنائه، وإلا فهو قول غير سديد، وخيانة للأمانة التي اؤتمن الأوصياء عليها.
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} تحذير بعد نصح، وتهديد بعد عظة.. فمن لم يفتح عينه على هذا الخطر، ويتجنب الهاوية التي بين يديه، فلا يلومنّ إلا نفسه.
إن مال اليتيم هو نار تحرق كل من يمدّ إليه يدا خائنة، أو يدسّه في بطن شرهة، فمن أكل منه احترق به في الدنيا، وصلى به عذاب جهنم في الآخرة.

.تفسير الآية رقم (11):

{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11)}.
التفسير:
فى هذه الآية والآية التي بعدها بيان، لأحكام الميراث، التي أجملتها الآية (7) من هذه السورة.
والوصية التي يوصى بها اللّه- سبحانه- في ميراث الأبناء، هي على سبيل الوجوب الإلزام، وإنما جاءت بلفظ الإيصاء لأنها تتعلق بأمر يقع بعد الموت، وهو الميراث، فهى وصية من اللّه، ينبغى نفاذها في تركة المتوفّى، كما يجب نفاذ وصية الموصى بعد موته! ويؤكد وجوب هذه الوصية قوله تعالى في خاتمة الآية: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ}.
وقوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} بيان لنصيب كل من الولد والبنت في تركة والدهما المتوفّى.. فللذكر ضعف الأنثى، أو مثل نصيب الأنثيين.
وقوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ} أي إن كان المتوفّى لم يعقب ذكرا، وكانت ذريته إناثا، فإن كنّ اثنتين فأكثر، فلهما أو لهن الثلثان {وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ}.
وقوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ} أي ويوصيكم اللّه أن تفرضوا لأبوى المتوفّى، لكل واحد منهما السّدس من التركة، وذلك {إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ} ذكرا كان أو أنثى.
{فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} أي إن لم يكن للمتوفّى فرع كاين أو بنت، أو ابن ابن، {وَوَرِثَهُ أَبَواهُ} أي انحصر الميراث فيهما {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} وللأب الباقي وهو الثلثان.
{فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ} اثنان فأكثر.. أشقاء، أو لأب.. ذكورا أو إناثا، {فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} أي أن نصيبها مع وجود الإخوة ينتقل من {الثلث} إلى {السّدس}، وهذا الانتقال لصالح الأب، لأن الأخوة لا يأخذون مع وجود الأب شيئا.. وإنما هم يؤثّرون على نصيب الأم فقط، ويحجبونها حجب نقصان.
والعلة في هذا أن الأب هو الذي من شأنه أن يرعى إخوة المتوفّى، الذين هم أبناء هذا الأب، فانتقل ما كان يمكن أن يكون لهم إلى أبيهم.
وذلك كلّه من بعد أن ينفذ في مال المتوفّى ما أوصى به، وأن يؤدّى ما عليه من دين، ولو استغرق الدين، كل ما ترك.
وأداء الدّين مقدّم على كل شيء، يتصل بتركة المتوفّى، من وصية، أو ميراث.
هذا، ويلاحظ أن النظم القرآنى قد التزم تقديم الوصية على الدّين في الآيات التي تضمنت أحكام المواريث، فكان يختم الحكم هكذا: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ}.
ولابد لهذا التقديم الملتزم من حكمة، فتقديم أمر حقّه التأخير، والتزام هذا التقديم في كل مرة- أمر لا يكون إلا عن قصد وتدبير.
ويرى الزمخشري أن تقديم الوصية على الدّين هنا للإلفات إليها، والتحريض على إنفاذها، دون تهاون أو تفريط.
ذلك أن الوصية تبرع وإحسان بدون عوض، وإذ كانت على تلك الصفة فربما رآها الورثة بعين الاستخفاف، فلم يمضوها كما أرادها الموصى، أو لم يمضوها أصلا.. أما الدّين فهو حق للدائن، إن سكت عنه الورثة لم يسكت عنه صاحبه.
فإذا قدمت الوصية على الدين كان ذلك غير مفوّت على الدين مكانته، في حين أن هذا التقديم يقوّى من شأن الوصية، ويلحقها بالدّين في القوة والإلزام.

.تفسير الآية رقم (12):

{وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)}.
التفسير:
فى هذه الآية تتمة أحكام المواريث، التي بينتها الآية السابقة.. فللزوج نصف ما تترك زوجته إذا لم يكن لها ولد- ذكرا أو أنثى- منه أو من غيره.
فإن كان لها ولد فله الربع، أما الزوجة فلها ربع ما ترك زوجها، إذا لم يكن له ولد، ذكرا أو أنثى، منها أو من غيرها، فإن كان له ولد فلها الثمن.. وذلك كلّه من بعد أن تنفذ الوصية، ويقضى الدين، إن كانت هناك وصية من المتوفّى، أو كان عليه دين.
وقد تضمنت الآية حكما آخر غير حكم الزوجين في التوارث بينهما، وهو حكم الكلالة وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ}.
وقد اختلف في الكلالة.. في معناها أولا، وفى متجهها ثانيا.
فقد رأى بعضهم أنها من الكلال، وهو الضعف إعباء وتعبا.. وقالوا إن صلة الورثة بالمورّث هنا صلة واهية ضعيفة.. ومن هنا حملوا الكلالة على من مات ولم يترك وراءه أبا أو ولدا، أو أخوة.
ورأى بعضهم أنها من الكلّ وهو الحمل والعبء، وقالوا إن الورثة هنا عبء على التركة، وأنهم أشبه بالفضوليين عليها، إذ كانوا ولا معتبر لهم في الميراث إلا إذا لم يكن وراء الميت أحد من أصوله أو فروعه، أو فروع أصوله، وفروع فروعه وذلك أمر نادر الحدوث.
وعلى حسب اختلاف الآراء في مفهوم الكلالة اختلفت الآراء كذلك في موصوفها، وهل هو المتوفّى، أو الورثة، أو المال المورّث! وعلى أىّ فقد اتفق الفقهاء على أن الكلالة في الميراث تقع في الحال التي يتوفّى فيها المرء- ذكرا أو أنثى- من غير أن يترك وراءه أحدا من فروعه أو أصوله أو فروع فروعه، أو فروع أصوله.
وهنا يكون لذوى الأرحام نصيب مفروض في تركة المتوفى، بعد أن كان لهم نصيب مندوب، غير محسوب، فيما يرزقونه إذا حضروا القسمة.
وقوله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} المراد بالأخ أو الأخت هنا الأخوة لأم، وهم من ذوى الأرحام، الذين لا نصيب لهم في الميراث مع وجود أحد من فروع المتوفى أو أصوله، أو فروع أصوله.
وقوله سبحانه: {فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} هو بيان للنصيب المفروض للأخ أو الأخت، من الأم، لكل واحد منهما السدس، لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، إذ هما في الموقف ليسا ذكرا أو أنثى، وإنما هما إنسانان يراد بهما البر والإحسان، ولا فرق في هذا بين ذكر وأنثى.. وهذا يعنى أن مكان الأخوة لأم في كيان الأسرة، وفى دعم بنائها الأسرىّ لا معول عليه، بل ولا حساب له، لأنهما في أسرة المتوفى كلالة- رجلا أو امرأة- أشبه بالغرباء منهما بالأقرباء! وقوله تعالى: {فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ} أي أن الأخوة لأم لا يرثون في الكلالة أكثر من ثلث التركة أيّا كان عددهم.. للذكر مثل حظ الأنثى.
وفى الوقوف بنصيب الأخوة لأم عند حد الثلث، لا يتجاوزونه مهما كان عددهم- في هذا ما يسند الرأى الذي ذهبنا إليه من قبل، من أن الميراث المفروض للأخوة لأم هنا لا يعدو أن يكون ضربا من البر والصدقة، وأنه خرج من ثلث التركة لا يتجاوزها، شأنه في هذا شأن الوصية، التي لا تتعدى ثلث التركة بحال.
وقوله تعالى: {غَيْرَ مُضَارٍّ} هو حال من الضمير في {يوصى} الذي يعود على المتوفّى.
وهذا الحال قيد يقيّد به ما ترك الميت وراءه من وصية أو دين.. بمعنى ألا يكون المتوفى كلالة قد نظر إلى نفسه قبيل وفاته، فرأى أنه لا وارث له من فروعه وأصوله، وعندئذ حدثته نفسه أن يحدث في تركته حدثا يفسد به على إخوته لأمه نصيبهم المفروض لهم، كأن يوصى ولا رغبة له في الوصية ولكن ليدخل الضيم على نصيب هؤلاء الأخوة، وكأن يصطنع على التركة دينا لغير دائن، لهذا الغرض نفسه.
وهذا ما نبه اللّه سبحانه وتعالى إليه الميت قبل أن يموت، ثم أكد سبحانه وتعالى هذا التنبيه بقوله {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} أي هذا فرض فرضه اللّه للأخوة لأم، وجعله حقا لهم.. فهم- والأمر كذلك- لم يجيئوا إلى هذا الميراث متطفلين. بل هم أصحاب حق فرضه اللّه لهم، كما فرض لغيرهم من الورثة ما فرض.
ثم أكّد سبحانه وتعالى هذا الأمر مرة أخرى بقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} أنه سبحانه وتعالى {عليم} بما يعمل الظالمون {حليم} لا يعجّل لهم العقاب، ولكن يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.

.تفسير الآيات (13- 14):

{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14)}.
التفسير:
قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} إشارة إلى كل ما بيّن اللّه سبحانه وتعالى من أحكام وما شرع من حدود، في صيانة أموال اليتامى، وتسليمها إليهم سليمة، لم تقع فيها خيانة، أو يقع عليها اعتداء، وفى التعفف عن زواج اليتيمات، تجنبا للظلم المحتمل وقوعه عليهن، وفى المواريث وأحكامها وما لكل وارث من نصيب.. {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} وهذه أحكامه، أوجب على عباده أن يلتزموها، وأن يقفوا عندها لا يتجاوزونها.. {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
فهذا الجزاء الحسن، قد أعدّه اللّه سبحانه لمن أطاعه وأطاع رسوله، الذي حمل إليه ما أمر اللّه به، وما نهى عنه.
إنه جنّات تجرى من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وإنه الخلود في هذه الجنات والعيش الدائم في نعيمها.. وذلك هو الفوز العظيم، الذي لا يقاس إليه شيء مما يعده أهل الدنيا فوزا، فيما يقع لأيديهم من مال ومتاع، ولو كان حلالا خالصا.. فكيف إذا كان مشوبا بالحرام، أو كان هو الحرام كل الحرام؟
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ}.
هو كشف عن الوجه البغيض المقابل لهذا الوجه الطيب الكريم.. إنه وجه أولئك الذين لا يخشون اللّه، ولا يخافون عقابه، فلا يمتثلون أوامره، ولا يعملون بما يدعوهم اللّه ورسوله إليه.. وإنها للنار التي أعدت للكافرين، وإنه للخلود في عذابها وهوانها.. وذلك هو الخزي المبين! وهنا ما ينبغى أن ننظر فيه، ونتأمله:
فلقد جاء الخطاب من قبل الحق جلّ وعلا لمن يطيعون اللّه ورسوله في صيغة المفرد، حتى إذا دخل الجنة، انتقل الخطاب من المفرد إلى الجمع.
هكذا: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها} فما وجه هذا؟ وما سره؟
ونقول- واللّه أعلم-:
إن إفراد الخطاب في هذه المراحل: {يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} فيه مواجهة صريحة كاملة، تضع الإنسان وحده في مواجهة هذا الخطاب الإلهى، فيلتفت إليه بكيانه كله، حيث لا يقع في شعوره- والحال كذلك- أن هذا الخطاب العلوي متجه إلى غيره! وهذا من شأنه أن يجعل الإنسان في وضع يحسن فيه التلقي عن اللّه، والانتفاع بما تلقى.
وذلك ما يقيمه على طاعة اللّه، ويصل به إلى مرضاته، ثم إلى الجنة التي أعدت للمتقين.
وليس الشأن كذلك إذا دخل الجنة.. إنه هنا في حال ينعم فيها بنعيم اللّه، ويأنس بألطافه.
ومن تمام نعيم اللّه هنا، ومزيد ألطافه، أن يجد الإنسان نفسه بين لدات وإخوان، يشاركهم هذا النعيم، وتلك الألطاف، وأن ينظر هذا النعيم وتلك الألطاف التي تغمر كيانه، قد تجسدت على وجوه إخوانه، فأصبحت بشرا، وحبورا، فيزداد لذلك بشره وحبوره.
وماذا يأخذ الإنسان أو يعطى، وهو منفرد وحده في هذه الجنات؟ إن هذا النعيم الطيب كله فيها، والملائكة والحور الذين يشرقون فيها كما تشرق الشموس- إن كل هذا لا يعرف المرء قدره، ولا يتذوق طعومه، على أكمل وجه وأتمه، إلا إذا كان له إخوان من جنسه، يألفهم ويألفونه، ويأخذ معهم ويعطى.. من كؤوس هذا النعيم.
وهذا الشعور الجماعى في الإنسان قد عرف اللّه سبحانه وتعالى حاجته إليه، فأسعفه بها، وجعلها من بعض ألطافه على عباده في جناته.. فجعل أهل الجنة في حياة جماعية، يتلاقون، ويتعارفون ويتبادلون الطيّب من الحديث، والكريم الهنيء من النعيم.. فيقول سبحانه في أصحاب الجنة: {يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ} [23: الطور] ويقول جل شأنه:
{وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ} [47:
الحجر] ويقول سبحانه: {إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ} [55، 56: يس].
وعن هذا الشعور كان قول أبى العلاء المعرّى:
ولو أنّي حبيت الخلد فردا ** لما أحببت في الخلد انفرادا

وانظر إلى أصحاب النار، كيف كان الخطاب من اللّه- سبحانه وتعالى- مفردا، قبل النار وبعدها. خارجها وداخلها.. حيث يقول جل شأنه:
{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ}.
إن الإنسان هنا يواجه وحده بهذا الوعيد من رب العالمين، حتى لكأنه هو الوحيد الذي انفرد من بين الناس بالشرود عن طريق الحق، والعصيان للّه ورسوله.. ثم ها هو ذا يلقى مصيره المشئوم وحده {ناراً خالِداً فِيها} حتى لكأن جهنم قد خصصت له، وحتى لكأن عذابها مقصور عليه.
وفى هذا ما فيه من مضاعفة العذاب، النفسي، فوق العذاب الحسّى! إن المشاركة في البلاء تخفف من شدته، وتكسر من حدته، حيث يتأسّى المصاب بغيره من المصابين، ويجد في مصاب غيره عزاء لمصابه.
وفى هذا تقول الخنساء في رثاء أخيها صخر:
ولولا كثرة الباكين حولي ** على إخوانهم لقتلت نفسي

وارجع إلى الآيتين الكريمتين الآن، ورتلهما ترتيلا، مستصحبا معك هذا المعنى الذي أشرت إليه فيهما، فإنك واجد إلى هذا المعنى معانى كثيرة، أكثر شفافية وصفاء! {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ}.